القرآن الكريم » تفسير القرطبي » سورة المؤمنون
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) (المؤمنون) 
قَالَ الْحَسَن : يُؤْتُونَ الْإِخْلَاص وَيَخَافُونَ أَلَّا يُقْبَل مِنْهُمْ . وَرَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الْآيَة " وَاَلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبهمْ وَجِلَة " قَالَتْ عَائِشَة : أَهُمْ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْر وَيَسْرِقُونَ ؟ قَالَ : ( لَا يَا بِنْت الصِّدِّيق وَلَكِنَّهُمْ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَهُمْ يَخَافُونَ أَلَّا يُقْبَل مِنْهُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَات ) . وَقَالَ الْحَسَن : لَقَدْ أَدْرَكْنَا أَقْوَامًا كَانُوا مِنْ حَسَنَاتهمْ أَنْ تُرَدّ عَلَيْهِمْ أَشْفَق مِنْكُمْ عَلَى سَيِّئَاتكُمْ أَنْ تُعَذَّبُوا عَلَيْهَا . وَقَرَأَتْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا وَابْن عَبَّاس وَالنَّخَعِيّ " وَاَلَّذِينَ يَأْتُونَ مَا أَتَوْا " مَقْصُورًا مِنْ الْإِتْيَان. قَالَ الْفَرَّاء : وَلَوْ صَحَّتْ هَذِهِ الْقِرَاءَة عَنْ عَائِشَة لَمْ تُخَالِف قِرَاءَة الْجَمَاعَة ; لِأَنَّ الْهَمْز مِنْ الْعَرَب مَنْ يَلْزَم فِيهِ الْأَلِف فِي كُلّ الْحَالَات إِذَا كُتِبَ ; فَيُكْتَب سُئِلَ الرَّجُل بِأَلِفٍ بَعْد السِّين , وَيَسْتَهْزِئُونَ بِأَلِفٍ بَيْن الزَّاي وَالْوَاو , وَشَيْء وَشَيْء بِأَلِفٍ بَعْد الْيَاء , فَغَيْر مُسْتَنْكَر فِي مَذْهَب هَؤُلَاءِ أَنْ يُكْتَب " يُؤْتُونَ " بِأَلِفٍ بَعْد الْيَاء , فَيَحْتَمِل هَذَا اللَّفْظ بِالْبِنَاءِ عَلَى هَذَا الْخَطّ قِرَاءَتَيْنِ " يُؤْتُونَ مَا آتَوْا " وَ " يَأْتُونَ مَا أَتَوْا ". وَيَنْفَرِد مَا عَلَيْهِ الْجَمَاعَة بِاحْتِمَالِ تَأْوِيلَيْنِ : أَحَدهمَا : الَّذِينَ يُعْطُونَ مَا أَعْطَوْا مِنْ الزَّكَاة وَالصَّدَقَة وَقُلُوبهمْ خَائِفَة . وَالْآخَر : وَاَلَّذِينَ يُؤْتُونَ الْمَلَائِكَة الَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْأَعْمَال عَلَى الْعِبَاد مَا آتَوْا وَقُلُوبهمْ وَجِلَة ; فَحُذِفَ مَفْعُول فِي هَذَا الْبَاب لِوُضُوحِ مَعْنَاهُ ; كَمَا حُذِفَ فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " فِيهِ يُغَاث النَّاس وَفِيهِ يَعْصِرُونَ " [ يُوسُف : 49 ] وَالْمَعْنَى يَعْصِرُونَ السِّمْسِم وَالْعِنَب ; فَاخْتُزِلَ الْمَفْعُول لِوُضُوحِ تَأْوِيله . وَيَكُون الْأَصْل فِي الْحَرْف عَلَى هِجَائِهِ الْوُجُود فِي الْإِمَام " يَأْتُونَ " بِأَلِفٍ مُبْدَلَة مِنْ الْهَمْزَة فَكُتِبَتْ الْأَلِف وَاوًا لِتَآخِي حُرُوف الْمَدّ وَاللِّين فِي الْخَفَاء ; حَكَاهُ اِبْن الْأَنْبَارِيّ . قَالَ النَّحَّاس : الْمَعْرُوف مِنْ قِرَاءَة اِبْن عَبَّاس " وَاَلَّذِينَ يَأْتُونَ مَا أَتَوْا " وَهِيَ الْقِرَاءَة الْمَرْوِيَّة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا , وَمَعْنَاهَا يَعْمَلُونَ مَا عَمِلُوا ; مَا رُوِيَ فِي الْحَدِيث . وَالْوَجَل نَحْو الْإِشْفَاق وَالْخَوْف ; فَالتَّقِيّ وَالتَّائِب خَوْفه أَمْر الْعَاقِبَة وَمَا يَطَّلِع عَلَيْهِ بَعْد الْمَوْت .
فِي قَوْله : " أَنَّهُمْ إِلَى رَبّهمْ رَاجِعُونَ " تَنْبِيه عَلَى الْخَاتِمَة . وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ ( وَإِنَّمَا الْأَعْمَال بِالْخَوَاتِيمِ ) . وَأَمَّا الْمُخَلِّط فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُون تَحْت خَوْف مِنْ أَنْ يَنْفُذ عَلَيْهِ الْوَعِيد بِتَخْلِيطِهِ . وَقَالَ أَصْحَاب الْخَوَاطِر : وَجَل الْعَارِف مِنْ طَاعَته أَكْثَر وَجَلًا مِنْ وَجَلَه مِنْ مُخَالَفَته ; لِأَنَّ الْمُخَالَفَة تَمْحُوهَا التَّوْبَة , وَالطَّاعَة تُطْلَب بِتَصْحِيحِ الْفَرْض. " أَنَّهُمْ " أَيْ لِأَنَّهُمْ , أَوْ مِنْ أَجْل أَنَّهُمْ إِلَى رَبّهمْ رَاجِعُونَ.
فِي قَوْله : " أَنَّهُمْ إِلَى رَبّهمْ رَاجِعُونَ " تَنْبِيه عَلَى الْخَاتِمَة . وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ ( وَإِنَّمَا الْأَعْمَال بِالْخَوَاتِيمِ ) . وَأَمَّا الْمُخَلِّط فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُون تَحْت خَوْف مِنْ أَنْ يَنْفُذ عَلَيْهِ الْوَعِيد بِتَخْلِيطِهِ . وَقَالَ أَصْحَاب الْخَوَاطِر : وَجَل الْعَارِف مِنْ طَاعَته أَكْثَر وَجَلًا مِنْ وَجَلَه مِنْ مُخَالَفَته ; لِأَنَّ الْمُخَالَفَة تَمْحُوهَا التَّوْبَة , وَالطَّاعَة تُطْلَب بِتَصْحِيحِ الْفَرْض. " أَنَّهُمْ " أَيْ لِأَنَّهُمْ , أَوْ مِنْ أَجْل أَنَّهُمْ إِلَى رَبّهمْ رَاجِعُونَ.
كتب عشوائيه
- أسباب الرحمةأسباب الرحمة : فقد تنوعت رحمة الله بعبده في جميع المجالات من حين كونه نطفة في بطن أمه وحتى يموت بل حتى يدخل الجنة أو النار، ولما كانت رحمة الله تعالى بخلقه بهذه المنزلة العالية رأيت أن أجمع فيها رسالة لأذكر إخواني المسلمين برحمة الله المتنوعة ليحمدوه عليها ويشكروه فيزيدهم من فضله وكرمه وإحسانه فذكرت ما تيسر من أسباب رحمة الله المتنوعة بخلقه بأدلتها من الكتاب العزيز والسنة المطهرة.
المؤلف : عبد الله بن جار الله بن إبراهيم الجار الله
المصدر : http://www.islamhouse.com/p/208991
- الملك عبد العزيز آل سعود أمة في رجلالملك عبد العزيز آل سعود أمة في رجل : إِن حياة الملك عبد العزيز - رحمه الله -تمثل ملحمة من الكفاح والنضال، خاضها، وقادها الملك الصالح عبد العزيز آل سعود في شبه الجزيرة العربية. لقد كان نضاله كله منذ بدأ في شبابه الباكر تحت راية التوحيد، باعتباره فريضة شرعية، والوحدة باعتبارها هدفًا سياسيا لشبه الجزيرة العربية. وإِذا كان الملك عبد العزيز - رحمه الله - قد نجح في توحيد المملكة تحت راية التوحيد، وأقام مملكة ينظر إِليها المسلمون باعتبارها نموذجا صحيحا للدولة الإِسلامية المعاصرة، فإِن ذلك النجاح لم يأت طفرة في حياة الملك عبد العزيز، بل سبقه من الجهد والجهاد ما ينبغي أن يعرف للأجيال الحاضرة، والقادمة من شباب الأمة الإِسلامية كلها، وفي هذا الكتاب ذكر لبعض جهوده - رحمه الله -.
المؤلف : عبد الله بن عبد المحسن التركي
الناشر : موقع الإسلام http://www.al-islam.com
المصدر : http://www.islamhouse.com/p/107034
- من أحكام سورة المائدةمن أحكام سورة المائدة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في «تفسير خمس الآيات الأول من سورة المائدة» بيّنت فيها - بتوفيق الله تعالى - الأحكامَ التي اشتملت عليها هذه الآيات الكريمات».
المؤلف : سعيد بن علي بن وهف القحطاني
الناشر : المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com
المصدر : http://www.islamhouse.com/p/272703













